أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
126
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والوقف التام حينئذ عند قوله « مِنْ دُونِ اللَّهِ » لارتباط الكلام معنى وإعرابا . الرابع : أن تكون « أن » وما في حيّزها في محل رفع بالابتداء ، والخبر الظرف قبله . الخامس : جوّز أبو البقاء أن يكون فاعلا بالظرف قبله ، وهذا إنما يتأتى على رأي الأخفش ، إذ لم يعتمد الظرف ، وحينئذ يكون الوقف على « سَواءٍ » ثم يبتدأ بقوله : « بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ » وهذا فيه بعد من حيث المعنى ثم إنهم جعلوا هذه الجملة صفة لكلمة ، وهذا غلط لعدم رابط بين الصفة والموصوف وتقدير العائد ليس بالسهل ، وعلى هذا فقول أبي البقاء : « وقيل : تمّ الكلام على « سَواءٍ » ثم استأنف فقال : « بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ » أي بيننا وبينكم التوحيد ، فعلى هذا يكون « أَلَّا نَعْبُدَ » مبتدأ ، والظرف خبره ، والجملة صفة للكلمة » غير واضح ، لأنه من حيث جعلها صفة كيف يحسن أن يقول : تمّ الكلام على « سَواءٍ » ثم استأنف ، بل كان الصواب على هذا الإعراب أن تكون الجملة استئنافية كما تقدم . السادس : أن يكون « أَلَّا نَعْبُدَ » مرفوعا بالفاعلية بسواء ، وإلى هذا ذهب الرماني فإنّ التقدير عنده : إلى كلمة مستو فيها بيننا وبينكم عدم عبادة غير اللّه تعالى . قال الشيخ « 1 » : « إلّا أنّ فيه إضمار الرابط وهو « فيها » وهو ضعيف » . قوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا قال أبو البقاء : « هو ماض ولا يجوز أن يكون التقدير : « فإن تتولوا » لفساد المعنى لأن قوله : « فَقُولُوا اشْهَدُوا » خطاب للمؤمنين وتتولّوا » للمشركين ، وعند ذلك لا يبقى في الكلام جواب الشرط ، والتقدير : فقولوا : لهم . وهذا الذي قاله ظاهر جدا . [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 65 إلى 66 ] يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 65 ) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 66 ) وقوله تعالى : لِمَ تُحَاجُّونَ : هي « ما » الاستفهامية دخل عليها حرف الجر فحذفت ألفها ، وقد تقدّم تحقيق ذلك في البقرة ، واللام متعلقة بما بعده ، وتقديمها على عاملها واجب لجرّها ما له صدر الكلام . وقوله : فِي إِبْراهِيمَ لا بدّ من مضاف محذوف أي : في دين إبراهيم وشريعته ، لأنّ الذوات لا مجادلة فيها . وقوله : وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ الظاهر أنّ الواو للحال كهي في قوله : لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ « 2 » أي : كيف تحاجّون في شريعته والحال أن التوراة والإنجيل متأخران عنه ؟ وجوّزوا أن تكون عاطفة وليس بالبيّن ، وهذا الاستفهام للإنكار والتعجب . وقوله : « إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ » متعلّق بأنزلت ، وهو استثناء مفرغ . قوله تعالى : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ : الكلام على هذه الآية فيه صعوبة وإشكال فيحتاج من أجل ذلك إلى بسط في العبارة ، ولنبدأ أولا بضبط قراءاتها وتفسير معناها ، فإنّ الإعراب متوقف على ذلك ، فأقول : القرّاء في ذلك على أربع
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 483 . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية ( 70 ) .